عمر فروخ
651
تاريخ الأدب العربي
تبلغ في ديوان الفرزدق نحو أربعين ألفا حتّى قيل : لولا الفرزدق لذهب ثلث اللغة ، وقيل لذهب ثلثاها . وتراكيب الفرزدق متينة شديدة الأسر إلى حدّ أنها تميل إلى التعقيد . أما معانيه فهو كثيرة متنوّعة لأن الفرزدق من الشعراء الذين قالوا في كلّ باب من أبواب الشعر ، على أن في معانيه شيئا من الغموض في بعض الأحيان . وكان في طبع الفرزدق جفاء حمل إلى شعره شيئا من الخشونة والصلابة . وشعره مطوّلات ومقطّعات ، وهو ذو بديهة . ولقد جعله نفر من الرواة والنقّاد شبيها بزهير بن أبي سلمى . ومع كثرة الفنون التي قال فيها الفرزدق فان فضله الأوّل في الفخر ، وهو أحسن شعراء العصر الأموي فخرا « 1 » . ثم إن فخره قد غلب على جميع فنونه حتّى أضرّ ذلك به في التكسب فقد كان لا يتمالك أن يدخل الفخر بنفسه وقومه في مدائح بني أمية فيغضب بنو أمية ثم يقطعونه ولا يعطونه . وقد أحسن الفرزدق في المدح والهجاء بعض الاحسان ، إلا أنه شديد الإقذاع في هجائه . وقد أساء في الرثاء والغزل . ثم إن له أشياء تستجاد في الوصف البدوي كوصف الذئب مثلا . وله أبيات مقلّدة ( فيها حكمة ) . - للفرزدق نقيضة « 2 » من طوال قصائده تبلغ مائة وخمسة وعشرين بيتا فيها نسيب بدويّ يخالطه شيء من الألوان الحضرية ، إلّا أن فيه أيضا شيئا من السماجة . والفرزدق يمدح في هذه النقيضة ( عبد الملك ) بن مروان متكسّبا وهو يعتذر بالقحط الشديد الذي كان جاء على البلاد . قال الطبري في أخبار سنة 68 ه ( 687 - 688 م ) : « وفي هذه السنة كان القحط الشديد بالشام حتّى لم يقدروا من شدّته على الغزو » ( طبعة القاهرة 7 : 167 ) . ويفهم من قصيدة الفرزدق أن القحط توالى ، ومن المنتظر أن يكون قد امتد إلى البلاد التي هي أقل خصبا في الأصل . وفي القصيدة أيضا فخر شهر به الفرزدق وهجاء لجرير . وفيها بيتان ذكر الفرزدق فيهما أمير المؤمنين ( عبد الملك ) بن مروان ليتخلّص منهما إلى وصف القحط فإلى الفخر بقومه وبكرم قومه حتّى في مثل هذا القحط . قال الفرزدق :
--> ( 1 ) طبقات الشعراء 87 ؛ العمدة 1 : 79 . ( 2 ) راجع ، فوق ، ص 361 .